الجزء الأول من الحوار الذي أدلى به أنور مالك لصحيفة الصحراء الأسبوعية
الحوار أجراه: محفوظ آيت صالح
نشرت صحيفة الصحراء الأسبوعية المغربية في عددها رقم 30 - من 11/05/2009 الى 17/05/2009، الجزء الأول من الحوار المطول الذي أدلى به أنور مالك لمندوب الصحيفة، والذي تناول فيه قضايا تهم المنطقة الجزائر والمنطقة المغاربية… ونعيد نشره لتعميم الفائدة وفهم محتوى الحوار على وجهه الصحيح بعيدا عن الحسابات والمصالح الضيقة.
ما هو السر في العداء التاريخي للمغرب من طرف جنرالات النظام الجزائري؟
المتتبع لتاريخ المنطقة المغاربية منذ الإستعمار الفرنسي يدرك بما لا يدع مجالا للشك، أنها تنام على مخزون من الفتن العقدية والترابية والطائفية والحدودية والسياسية والإجتماعية والثقافية، والتي للإستعمار دور كبير ومطلق في ذلك، ولو أردنا أن نسترسل في تفاصيل هذه الفتن ما كفتنا المجلدات، وقد أدت هذه الفتن إلى تنامي موجة العداء والعداء المضاد بين أنظمة الحكم المغاربية، ولا يمكن أبدا أن نستثني هذا على حساب ذاك، فالعداء موجود لدى جنرالات الجزائر كما هو موجود لدى المخزن المغربي أو أي نظام عربي آخر، كما صرنا نراه موجود لدى الأجيال الصاعدة التي راحت ضحية الإعلام المضلل والزندقة السياسية والحزبية، التي لم تأخذ بعين الإعتبار مستقبل المنطقة المهددة بالتفتيت، ولكن هذا العداء يختلف من هذا وذاك وكل حسب ما تقتضيه المصلحة وتفرضه المرحلة، ومادام سؤالكم يركز عن الجانب الجزائري ومتغاضيا عن الجانب المغربي، فإن التراكمات التي حدثت منذ الإستقلال عام 1962 من خلال طبيعة الحكم الجمهوري في الجزائر والملكي في المغرب، وكذلك قضية الحدود التي خلفها الإستعمار ولم تحل أصلا، وأيضا توجد خفايا تاريخية تعرفها كل الأطراف عن واقع الحركى أصحاب الوزن الثقيل الذين تولوا شؤون الحكم خاصة في الجزائر، ودوائر النفوذ في الغرب وما إلى ذلك، كلها راحت تصب الزيت على الفتائل التي كانت تتناثر هنا وهناك، فمن حرب الرمال المخزية عام 1963 التي صنعتها المؤسسة العسكرية الجزائرية، وصلت الأمور إلى 1975 حيث أقدم نظام بومدين على طرد آلاف العائلات وتشتيتها على خلفية بداية النزاع على الصحراء، ثم تبني منظمة البوليساريو أو ما يمكن تسميتها ربيبة العسكر التي يراهن عليها كثيرا في تكسير شوكة المغرب، الذي يعتبر المنافس الوحيد في المنطقة للجزائر من الناحية العسكرية والنفوذ والقوة، وهنا يجب أن نقرّ بشيء أن الجانب المغربي ظل في أغلب الأوقات يراهن على التقارب والجانب الجزائري يواصل التصعيد، ويكفي دلالة على ما أقول قضية الحدود المغلقة وهي مأساة حقيقية في حق الأخوة والجوار والوحدة المغاربية، لأنه لا يعقل أن الحدود الوحيدة على وجه الأرض التي لا تزال مغلقة هي تلك التي بين البلدين الشقيقين الذين تربطهم أواصر تاريخية عظيمة وأخوة ضاربة جذورها في عمق التاريخ.
يجب أن ألفت الإنتباه إلى أمر هام أن فرض المغرب للتأشيرة خلال بداية الحرب الأهلية كان في صالح الجزائر، فهو يمنع تسلل العناصر المسلحة وبهويات مزورة، والذين كانوا يصنعون الخلفية والدعم اللوجستيكي الممتد حتى أوربا، وهو ما سمعته بنفسي من طرف قادة عسكريين بارزين، ولكن ما يروج له إعلاميا ودبلوماسيا عكس ما يقال في موائد الخفاء وسهرات الظل، فلو كان العسكر يفكرون بعمق لطالبوا حتى تونس بفرض التأشيرة من أجل قطع طرق التسرب والتهريب التي تستعملها الجماعات المسلحة، ولكن الحساسية التي يصنعها النظام العسكري تجاه المغرب تجعلها تفسر الأمور بطرق بشعة للغاية، فإن طالب المغرب بفتح الحدود فتجدهم يؤكدون أن المغرب تورط وعاقب نفسه لما فرض التأشيرة وأن المخزن بدأ يتنازل بعدما لقن درسا كبيرا، وإن حمّل الجزائر مسؤولية بلقنة المنطقة المغاربية فتجدهم يشنون الهجوم، لأن ذلك يدخل في دائرة التصعيد الذي لا يضر إلا الشعبين الشقيقين، وصرنا نرى لعبة القط والفأر…
بإختصار شديد أنه يمكن ذكر أهم سر في موجة العداء الرسمي بين البلدين، أقول الرسمي لأنه لا يوجد عداء بين الشعبين سوى تلك الأوهام المروج لها إعلاميا وعبر منتديات الأنترنيت من طرف عملاء الإستخبارات، وهو قضية الحدود التي لم تحل بصفة نهائية عن طريق الترسيم المعترف به، وظلت عالقة تغطى بصراعات مفتعلة ومفبركة، والعسكر في الجزائر تجدهم داخل كليات التكوين دوما يصورون على أن المغرب هو كيان صهيوني يترصد لإبادة الشعب الجزائري وتفتيت ترابه ووحدته وكيانه، ولا أدري ما يقال في الجانب المغربي لأنني لم أشاهد ذلك، فأقول أن العداء القائم لا يثمر إلا الشرور على البلدين والشعوب المغاربية، ولا يخدم إلا أجندات خارجية فقط، تتربص بخيراتنا ليل نهار في ظل غرب يراهن على دولة إسرائيلية في العمق العربي.
هناك بعض الدراسات التي تتنبأ بمستقبل دموي للجزائر لا قدر الله ما تعليقكم على هذا الأمر؟
أولا: لا أتمنى هذا المستقبل الدموي للشعب الجزائري، لأن فيها أهلي وأقاربي وأحبتي وجيراني وزملاء عملوا معي وفقراء ومساكين، لقد عانى هذا الشعب لمدة 132 سنة تحت همجية الحلف الأطلسي الغاشم، ثم أدخله الجنرالات في حرب أهلية دفع ثمنها غاليا، فعائلات شردت وأبيدت وأكثر من 300 ألف قتيل إن سلمنا جدلا بالأرقام التي تروج رسميا، وإن كنت أعتقد أنها تجاوزت نصف مليون، وآلاف الجرحى والمعوقين، وآلاف المشردين والمجانين، وآلاف الموتى سنويا بأمراض القلب والضغط الدموي، وآلاف الموتى سنويا بالفقر والفاقة والسل والسرطان…
ثانيا: أن ما حدث ولا يزال لم يحل بصفة جذرية، حتى يمكن تجاوز مخلفات وترسبات الحرب الأهلية، فأهل الضحايا من القتلى والمفقودين والمسجونين والمعذبين لا تزال أغلبيتهم الساحقة تؤمن حد اليقين أن النظام هو المتورط في الجريمة، وأن الجنرالات هم الذين افسدوا في الأرض لأجل حماية أطماعهم ونفوذهم ونهبهم للريع المستباح، وهذا الذي لا يختلف فيه إثنان في الجزائر، وأؤكد أنه بسبب الحرب الأهلية صار الجزائري لا يحمل إلا الحقد لأخيه الجزائري، وإنعدمت الثقة بصفة مطلقة، حتى الأقارب لا يهتمون ببعضهم ولا توجد أي روابط يمكن أن نعتمد عليها في رسم ملامح أمل قائم… فمن أخطر ما يعيشه الجزائريون هو تلك الأزمة الإجتماعية وتفكك الروابط بين الناس، أقول الروابط الأسرية تفككت أما الروابط الوطنية فقد إنتهت وزالت ولا تذكر إلا بطرق مزيفة في المناسبات الإنتخابية والإستحقاقات السياسية، أو عند المزايدات والعنتريات الشبقية المرضية.. وحتى عبر أغاني يؤديها مطربون تخرجوا من علب الليل والكباريهات، فالوطنية لما تحول حالها إلى أن يوزعها هؤلاء فتأكد أن الوطن أغتيل في قلوب الناس الجريحة، وما تصور أحدهم يوما أن شأن الجزائر التي كان لم يسمع نشيدها الوطني تغرق العيون في الدموع، يصير حالها إلى أن تسب جهارا نهار في الشوارع.
في ظل هذا الوضع الإجتماعي المتفكك، والوضع السياسي المسدود، والوضع الإقتصادي المتدهور، والوضع الأخلاقي المتفسخ، والوضع الأمني السيء، والوضع الديني المرتد… فهل يمكن أن نتنبأ بمستقبل واعد لهذه البلاد، فالشباب يتنصّرون نقمة من مادة تقول أن الإسلام دين الدولة، والشباب يغامرون بحياتهم في أعماق البحار نقمة من وطنهم الذي تخلى عنهم، والشباب صاروا يلعنون الشهداء –وحاشاهم- ال
المزيد