الجزء الثاني من حوار أنور مالك مع جريدة “الصحراء الأسبوعية”

كتبهاAnouar Malek ، في 23 مايو 2009 الساعة: 07:06 ص

 

 

نقدم للقراء الكرام الجزء الثاني والأخير من الحوار الذي أجرته الصحيفة المغربية "الصحراء الأسبوعية"، وهذا الجزء نشرته في عددها 31 الصادر للفترة 18 إلى 24/05/2009، وقد تناول الكاتب أنور مالك قضايا أخرى مهمة للغاية.

 

قلت في كتابك "طوفان الفساد وزحف بن لادن في الجزائر" على أن قادة البوليساريو أصبحوا مجرد موظفين في الخارجية الجزائرية هل هناك وقائع تؤكد ما ذهبت إليه؟

 

هذا أمر لا يمكن أن يختلف فيه إثنان في الجزائر، أنا عايشت دهاليز المؤسسة العسكرية وإستطعت أن أعرف أسرارا كثيرة وخطيرة للغاية، وقد رأيت بنفسي أشياء كثيرة بينها مثلا كشوف لرواتب يتلقاها قيادات البوليساريو وعلى رأسهم محمد عبدالعزيز من طرف الخزينة العمومية الجزائرية، والمذكور راتبه كسفير فوق العادة، فترى هل من المعقول أن تقدم رواتب بالملايين إلى أجانب من دون مكاسب أو مصالح ما؟ وسمعت مرارا وتكرارا من مسؤولين بارزين ووزراء وقيادات عسكرية، أن هؤلاء الناس مجرد خدم ولا يمكنهم أبدا أن يتصرفوا في شيء من دون الرجوع للخارجية الجزائرية، فحتى عندما يسافرون لمنهاست تجدهم قبلها في إجتماعات دورية سرية مع مدراء ورجال أمن من أجل توضيح القرار الذي تبنى عليه المفاوضات، ويلقنونهم حتى التصريحات التي تنقل لوسائل الإعلام، حتى أنه حكى لي أحد المقربين من رئاسة الجمهورية أتفادى ذكر إسمه حتى لا أعرضه لمتابعات، أن الرئيس بوتفليقة عندما يتحدث عن محمد عبدالعزيز يقول: "هذاك المراكشي"، وكم من مرة تعرض لتأنيب قوي وعتاب شديد اللهجة.

فماداموا يتلقون رواتبهم من الخارجية الجزائرية، وماداموا لا يملكون أي سلطة على أنفسهم وعائلاتهم، ومادام العسكر هو من يحميهم ويسيرهم، فتسميتهم بالموظفين المأجورين هي حقيقتهم.

وهنا أغتنم الفرصة وأقول أنني تحدثت مرات متعددة مع صحراويين في تندوف، وكانوا يتمنون أن تحل مشاكل السياسة ويعودون إلى أراضيهم كبدو رحل يمارسون تجارتهم، لأنهم ملّوا المعاناة والمزيرية والجوع والعطش والأمراض الفتاكة التي لا يمكن تحملها، ومرة سألت أحد المسؤولين فيهم فقلت له: هل تستطيعون أن تقرروا الإنضمام إلى المغرب مثلا؟ فأجابني ساخرا: تريد أن تقطع رقبتي من طرف الجنرال العماري، وكان حينها محمد العماري قائدا لأركان الجيش، وإسماعيل العماري الرجل الثاني في المخابرات.

المشكلة القائمة الآن ليست ما بين جبهة إسمها البوليساريو وطرف آخر هو المغرب، لأن البوليساريو ليست لها أدنى شأن في المنظومة الدولية لو تأملنا بروية ووعي، ولكن المشكلة هي بين الجزائر والمغرب، وما  منظمة البوليساريو إلا وسيلة من الوسائل مثل حرب الرمال التي إستعملها النظام لإستمرار صراعه مع المغرب، فبعد حرب 1963 التي كانت وبالا على الجيشين والشعبين الشقيقين، فقد صمم قادة الجيش من باب إستنزاف طاقة "العدو" مع طرف آخر وبطريقة غير مباشرة، فقام بومدين بإستغلال الطلبة الصحراويين وبينهم محمد عبدالعزيز، وصنع بهم هذه الجبهة وإبرارا لقسم بومدين الذي أسر به لمقربيه: سأجعل الملك بلا ملك.

نعود مثلا للاجئين في المخيمات وأؤكد أنني إلتقيت بالكثيرين منهم وهم من البدو الرحل الجزائريين الذين لا يملكون الجنسيات، تم الزج بهم منذ السبعينيات ولا يزالون إلى يومنا هذا يحملون بطاقة تموين، كما يوجد أكثر من 1500 آخرين لا يزالون يطالبون بحقهم في بطاقة التعريف بتمنراست وأدرار إلى يومنا هذا، ومن دون أن نتجاهل التوارق المولودين في الخارج – أي في الصحراء المترامية الأطراف ما بين مالي والنيجر وغيرهما - الذين لم تسلم لهم إلى اليوم الجنسيات الجزائرية، وسعت جهات أخرى لإستغلالهم وتوريطهم في مخيمات تندوف.

السؤال المهم جدا: لماذا تمنع السلطات الجزائرية عن طريق شرطة البوليساريو مغادرة أي مواطن للمخيمات؟

 

ولماذا إذن تمنع السلطات الجزائرية، عن طريق شرطة البوليساريو، مغادرة أي مواطن للمخيمات؟

 

فإن كان قد منح حق اللجوء فهو مسموح له أن يعيش في أي ولاية أخرى ويبحث عن رزقه في أي مكان، بل أكثر من ذلك يمنعون الصحراويات من الزواج بالجزائريين والعكس كذلك، وهذا تفاديا لحدوث أي نزوج من المخيمات التي لا تزال الورقة التي تستعمل في مجال الضغط عن طريق المنظمات الحقوقية الدولية، وقد تحدثت في كتابي "طوفان الفساد" عن بعض جوانب ظاهرة مخادعة هذه المنظمات وهي مظاهر مخزية ومقززة وغير إنسانية، ولا يدفع الثمن إلا أولئك المهجرين والمساكين وحتى المحتجزين.

وأخطر من كل ذلك أنني كشفت عن حالات بالأسماء تتعلق بتورط صحراويين – ضحايا المحتشدات- حتى في مجازر ضد مدنيين عزل من أطفال ونساء في الجزائر، ولما كشفت القضية تم طمسها حتى لا يؤثر ذلك على مجرى قضية الصحراء أو يؤلب الرأي المحلي الجزائري ضد هذه المنظمة، التي تستنزف الإقتصاد الوطني وبمبلغ فاق 200 مليار دولار كما ذكرنا سابقا، لو أنفقت على الجزائريين ما وجدنا إلى اليوم فقرا فاقت نسبته 50%.

باختصار شديد أن منظمة البوليساريو هي واجهة صنعها الجنرالات ومن ورائها يحققون أطماعا كثيرة، ومن خلالها يستنزفون ثروات البلاد، وسيفتتون المنطقة المغاربية إلى دويلات تتحول إلى بيادق شطرنج لدى فرنسا وأمريكا… ويكفي عمليات فساد بالملايير حدثت في المخيمات وتورط فيها قادة من البوليساريو ورجال أعمال جزائريين بارزين وحتى مسؤولين هي بدورها طمست، وهذا الذي تحدثت عنه أيضا في كتابي "طوفان الفساد" المصادر.

 

هل تعتقدون أن المنتظم الدولي تغيب عنه هذه المعطيات؟

 

الكل يعرف هذه الحقيقة بصفة عامة وإن كان البعض يجهل تفاصيلها وحيثياتها، ولكن المصالح القائمة والرشاوى المتبادلة هي التي صارت تحكم عقلية المجتمع الدولي، ويجب أن نعرف أنه هناك حقائق كثيرة في طي المجهول، لأنه يجب أن يتجرأ عليها شخص من الجانب والداخل الجزائري، ولكن هذا لا يوجد، فالكل حتى ممن يعيشون في الخارج ويعارضون النظام يخشون من إلصاق تهمة العمالة للمغرب، ولكن هذا خطأ كبير فالعمالة والخيانة والتواطؤ مع الجهات الأجنبية صارت توزع بالمجان، وما دمت تعارض العسكر فأكيد أنك ستتهم بشتى النعوت وأبخسها، فإن كنت تعيش في باريس فأنت عميل لمستعمر الأمس كباقي الحركى، وإن كنت في أمريكا فأنت في صف المحافظين الجدد، بل قد جندتك الموساد وصرت تعمل لصالح الصهاينة وهكذا… ولا يوجد وطني يحب البلاد سواهم ماداموا على رؤوس الناس.

بالنسبة لي شخصيا لا تهمني أصلا هذه الأمور فقد قالوا أنني عميل المخزن لما كشفت جرائم البوليساريو في حق الصحراويين الأبرياء والمضطهدين، بل يوجد من تحدث لي ولامني على أنني لم أكشف تجاوزات وخروقات المغرب في حق الصحراويين، فقلت له ياسيدي أنا دائما أتحدث عن الأشياء التي رأيتها، وعندما أعايش هذه الأمور وأسمعها من أصحابها مباشرة في الصحراء لن أتردد لحظة في كشفها للعالم، ولكن أنا عايشت البوليساريو لفترة ولو كانت قصيرة بتندوف وعرفتهم في العاصمة، وإطلعت على ما يندى له الجبين في حق المال والأعراض والشرف الذي يستباح، ولهذا لا يمكنني أن اصمت أبدا، فلو كان كلامي سيخدم حتى الكيان العبري لا يهم أصلا، لأنني سأدافع عن مظلومين رأيتهم بعيني وليس حكي لي من طرف أشخاص أكيد تحكمهم الحسابات السياسوية والمافياوية.

المجتمع الدولي يحتاج إلى شهود حقيقيين لا يهمهم هذا ولا ذاك، وهذا الذي سأسعى إليه إن شاء الله من خلال كتاب أنا منكب على تأليفه يتحدث عن القضية الصحراوية وخفاياها الكثيرة في دهاليز الجزائر العميقة، وإن كنت عرفت قطرة من بحر، لأن أسرار البوليساريو والعسكر  الكاملة لا يصل لها الجن الأزرق كما يقال…

 

ماهي الخلاصات التي إنتهيت إليها، من خلال السنوات التي قضيتها في مجال مكافحة الإرهاب، وما حقيقة القاعدة وجماعات ما يسمى تنظيم القاعدة في الغرب الإسلامي؟

 

في الحقيقة لما كنت في الجيش عملت في مجال الإعلام والمحافظة السياسية، وكنت أدرس وأقدم المحاضرات للضباط والعسكريين في الكليات والثكنات التي كانت تابعة لنا، ولكن مرت مرحلة عشناها أجبرت القيادة كل العسكريين على الإنضمام إلى كتائب متخصصة في مكافحة الجماعات الإسلامية المسلحة، فلا فرق بين طيار أو متخصص في الصواريخ والرادار أو الصحفي العسكري، الكل أجبر على تشكيل هذه الكتائب من أجل حماية المنطقة التي تتواجد بها الثكنات. وقد عملت فترة في منطقة بومرداس وكذلك بوزريعة وقد تأكد لي أن الحل الأمني المنتهج لا يمكن أن يحقق نتيجة أبدا، هذا فضلا عن التجاوزات الخطيرة التي كانت تقترف في حق المدنيين من طرف العسكريين، حتى صار يخيل للشعب الجزائري أن الجيش الموجود هو إحتلال أجنبي يجب أن تحرر منه الأرض يوما، وهو الذي سمعته مرارا من طرف مواطنين في الحافلات كلما إقتربوا من منطقة تفتيش أو حاجز عسكري.

من خلال تجربتي العسكرية وصلت إلى قناعة واحدة أن الجنرالات الذين يحكمون الجزائر لن يتنازلوا عن عرشهم ولو أحرقت البلاد، وأيضا أنه لا يوجد عدو سوى المغرب لدى هؤلاء، ويمكنهم أن يعانقوا شارون ولا يلقوا بتحية الإسلام على محمد السادس، هذه هي الحقيقة التي هي موجودة وليس ما يظهر في التصريحات والرسائل المتبادلة التي تقتضي المجاملة فقط.

"القاعدة" هي تلك الشماعة التي علقت عليها الكثير من المآسي، فأمريكا تحتل العالم والتهمة هي وجود القاعدة من على وجه الأرض، والشعوب العربية تعيش في إفراج مؤقت والسبب هو تسلل أفكار القاعدة إليهم، أما في الجزائر فقد سمعت بإسم "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" في 2005 وأنا في السجن، ومن خلال إتصالات هاتفية كان يقوم بها إسلاميون مع زملائهم في أدغال الجبال، والقارئ المتفحص لواقع هذا التحول يتأكد من أن الأمر فيه فوائد لأطراف عديدة، فمنها ما يتعلق بالمستوى الداخلي لتنظيم "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" التي كانت تبحث عن الدعاية الإعلامية الواسعة، وتعاني كذلك من بعض النزيف واليأس، وتبني القاعدة الأم لهم يكسبهم الدعم والقوة المعنوية، والأهم هو "المجندين الجدد" بعدما طويت الأسباب السياسية التي تتعلق بتمرد هؤلاء، وهو ذلك الإنقلاب المشؤوم على الإرادة الشعبية في 1992، حيث بعد الوئام المدني ووضع الجناح المسلح لجبهة الانقاذ سلاحه، ودخول بعض القادة تحت إبط النظام، لم يجدوا من مبرر به يفتحون الشهية لدى الشباب الناقم على وضعه من خلال بوابة ما يحدث في العراق وفلسطين وأفغانستان، أما النظام فهو سيكسب ود الولايات المتحدة التي تعلن حربا عالمية على ما يسمى بالارهاب، وبوجود القاعدة يجوز للعسكر إستعمال كل الوسائل ولو كانت أسلحة كيماوية ولا أحد يمكن أن يحاسبهم ولو أحرقوا الجبال على رؤوس البدو الرحل، ويكفي الطاعون الذي مسّ حتى مدنيين بسبب استعمال أسلحة محرمة دوليا.

على كل حال هذه الأمور فصلتها في كتابي "طوفان الفساد وزحف بن لادن في الجزائر" والذي تمت مصادرته من طرف أمن الدولة المصرية، وقد أعطيت المكاسب التي تجنيها كل الأطراف سواء كانت داخلية أو خارجية من وجود القاعدة على التراب الجزائري، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أحداث 11 سبتمبر 2001  كانت هدية من السماء للنظام الجزائري، الذي كان على فوهة بركان تحاصره نظرية من يقتل من؟ حتى أنه في بعض الأحيان يشك في وجود دور جزائري في تلك الأحداث، كما حدث في تفجيرات ميترو باريس عام 1995 ودور تنظيم "الجيا" المشبوه في ذلك، لأنه لا يوجد نظام إستفاد من أحداث 11 سبتمبر كما إستفاد منها العسكر في الجزائر.

في تلك الفترة هبت كل الصحف الجزائرية المحسوبة على أجهزة المخابرات إلى كشف ملفات عن علاقات مفترضة ما بين الجماعات المسلحة الجزائرية وقاعدة بن لادن، من خلال ما سرب من إتصالات حدثت أو أشخاص أجانب تم القضاء عليهم في الجبال، أو من خلال ملف الأفغان الجزائريين، ولما أعلن الظواهري عن بيعة الجماعة السلفية هبت الأطراف نفسها تنفي عالمية هذا التنظيم، وتوجد صحف ترفض ذكر "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وتحافظ على التسمية القديمة "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، ولما وقعت ضغوط أمريكية حول قاعدة أفريكوم، أو من خلال العمليات التي يتبناها التنظيم كخطف الأجانب، تهب تلك الصحف لنفي وجود القاعدة وكل ما يجري هو بقايا الإرهاب، وهم بعدد محدود يعيشون الحصار الأمني في أدغال الجبال يعانون من المرض والأوبئة والجوع والمثلية الجنسية والطاعون… بإختصار شديد أؤكد على أنه لا يوجد إرتباط تنظيمي ما بين قاعدة الجزائر والقاعدة الأم والقواسم المشتركة هي إيديولوجية عقدية، وستظهر تنظيمات مسلحة أخرى بعد 2000 سنة وستسمى ربما "القاعدة في بلاد الوقواق".

أنا على يقين أن العمل المسلح في الجزائر في طبعته الحالية يعيش مرحلته الأخيرة، فقد كان جيل الإنقاذيين ثم جاء في ما بعد جيل التكفيريين والآن جيل القاعدة التي تسعى نحو توسيع دوائرها في المحيط المغاربي، وهذا الذي سيدفعها للإنتحار، لأن التمدد على أرض شاسعة بإمكانيات محدودة ومتواضعة هو الموت المستعجل حتما، ولكن يبقى المستقبل مفتوح على كل الإحتمالات السيئة، لأنه لا يعني نهاية القاعدة هو نهاية الفكر الجهادي أو ثورة الجوع والجياع.

 

ما هو حجم التهديد الذي تشكله الجماعات الإرهابية على استقرار المنطقة؟

 

بالتأكيد فيه تهديد على الأبرياء والعزل لأنه في نظري لما يموت شخص واحد في قنبلة أو بسيارة مفخخة، فإنه عندي أمر عظيم وقاصمة تقصم الظهر، فكيف سيكون الحال لما يموت الكثيرون ويوميا؟.

القاعدة الآن مخترقة من طرف المخابرات، ومخترقة من مافيا التهريب سواء للسلاح أو المخدرات أو الأموال، وهي مخترقة أيضا من تنظيمات أخرى لها حسابات في المنطقة المغاربية، كما يجري اليوم في الجنوب وعلى الحدود الموريتانية، وكثير من الشهود تؤكد تورط شبكات صحراوية وتحت رعاية البوليساريو والعسكر، لأن الجزائر الآن هدفها هو تصدير العنف والقاعدة إلى كل الدول المغاربية وخاصة المغرب، الذي ظلت تحاول جهات كثيرة على تحميله مسؤولية دعم الجماعات الإسلامية المسلحة، كما جرى مع عبدالحق العيايدة أمير "الجيا"، الذي زعم أنه إلتقى بالملك الحسن الثاني وأقام بقصر ملكي، وهي مزاعم لا يقبلها لا المنطق ولا العقل، وأنا من منطلق تجربتي العسكرية والإعلامية أؤكد أنه لو قدّم المغرب أدنى مساعدة لهذه الجماعات مطلع التسعينيات لسقط النظام في أسبوعه الأول، هذا فضلا من أنه لا يمكن للمغرب أن يقدم على مثل هذا الفعل وهو ينام على مخزون إسلاموي آخر قد يفتح شهيته على التمرد، وبالتأكيد سيجدون الدعم من الجانب الجزائري المنتصر صاحب مشروع خلافة إسلامية تمتد من المحيط إلى الخليج.

هناك إشكالية لا تزال قائمة وتتعلق بالوجود الأجنبي في مسرح الحرب الأهلية الجزائرية، فالجزائر ظلت تراهن على إيجاد أدلة إدانة للمغرب من خلال شبكات تهريب السلاح أو من خلال معتقلين، أو حتى من خلال عمليات نوعية تحدث في التراب المغربي، والمغرب ظل بدوره يراهن على كشف خيوط تورط جماعات من البوليساريو في العنف والدموية، وبلا شك هذه الشبكات موجودة وقد أعطيت أمثلة في كتابي المصادر، وسوف أكشف عن أشياء كثيرة مستقبلا وعلى ألسنة ابرز الأمراء المتواجدين في السجون، والذي ساقتني أقداري وإلتقيت بهم وعايشتهم في سجن واحد.

الإستقرار ليس مهددا فقط من طرف الجماعات الإرهابية، بل المنطقة مهددة بعنف آخر آتي لا محالة وهو التفتيت والنزعات الإنفصالية والتي ستظهر تباعا، وستزداد شراستها لما يتحقق المبتغى الجزائري في الصحراء الغربية، بعدما تمّ إبعاد الصحراء الشرقية من بؤرة النزاع.

ولكن خلايا القاعدة التي تنطلق من الجزائر في ظل رهان محلي على كثير من المعطيات والأطماع، سيكون بلا شك خطير للغاية وسنشهد مرحلة دموية تضرب العمق المغربي والموريتاني وربما حتى الصحراوي، مما يصنع هواجس أخرى تنسف كل محاولات التهدئة، وتجهض الحل الواقعي البعيد عن كل الشبهات القادمة من وراء البحار على شكل بعثات دولية أممية أو حتى منظمات دولية حقوقية أو…

 

من وراء هذه الجماعات ومن له المصلحة في استمرارها في المنطقة؟

 

المستفيد الأول والأخير هو النظام الجزائري والذي يكسب من خلال بعبع "القاعدة" تلك الشرعية الدولية التي كانت مفقودة من قبل، في حربه الشاملة على الإسلاميين وكل المعارضين والمنددين لإنقلاب 1992، أو حتى الذين يرون أن أصل الأزمة سياسي ويجب أن تحل سياسيا، وهذا أيضا يجلب الحماية الدولية بعد تلك الحصانة التي تحققت بموجب ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، فلا يمكن متابعة قادة الأجهزة الأمنية بتهم جرائم ضد الإنسانية اقترفت في الجزائر، وتبرئة المؤسسة العسكرية مما لحقها من شبهات عن طريق الغسيل الذي نشره ضباط فارون من الخدمة، والأهم من كل ذلك هو تحقيق الحصانة للجيش الجزائري على غرار الحصانة التي يتمتع بها الجيش الأمريكي في العراق أو في أفغانستان، لأن الكل في حرب مع الإرهاب وقاعدة أسامة بن لادن…

 نجد أيضا أن النظام من خلال هذا التنظيم الغامض في أصوله وفروعه، يمكنه مطاردة الفارين في الخارج بتهم يحاربها المجتمع الدولي، وليس كما كان من قبل حيث توزع منشورات الجماعات المسلحة في شوارع لندن وباريس وعلنا، وتجمع التبرعات على مرأى البوليس… فبعد الوئام المدني ثم ميثاق السلم جاء تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" ليطوي نهائيا ملف الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، لأن الحرب الدموية القائمة هي مع أتباع الظواهري وليست مع أتباع علي بن حاج.

كما نجد في خضم ذلك صفقات التسليح التي تعقد بالملايير، ولا يمكن أبدا أن يعترض المجتمع الدولي على تسليح دولة تحارب "القاعدة" التي تهددهم وتهدد المواطنين الغربيين بالخطف والسبي، وموجة سباق التسلح هذا تدر الملايير في جيوب أصحابها عن طريق الصفقات المشبوهة وحتى تلك الفاسدة، كما أيضا يمنح للجزائر الضوء الأخضر لتقوية عتادها ورفع من عدة جيشها لتبقى دائما القوة العسكرية الأولى الضاربة في المنطقة المغاربية.

وفي ظل كل تلك المعطيات نسجل محاولة إرضاخ المخزن المغربي إلى أجندة سياسية للنظام الجزائري، لأجل محاربة "القاعدة" التي تضرب بدورها العمق المغربي بين الفينة والأخرى، وبطرق مشبوهة للغاية تحمل أحيانا بصمات الإستخبارات الجزائرية، ويراد من خلالها وضع حد لمشكلة الصحراء الغربية، التي سجل فيها  الدعم الأمريكي لأطروحات المغرب القاضية بمنح حكم ذاتي للصحراويين تحت السيادة المغربية، لكن التعامل الأمني مع أمريكا سيكون محل إبتزاز من الطرف الجزائري، وخاصة فيما يتعلق بشبكات القاعدة على أراضيها، والمساومة ستكون بطلب مراجعة الولايات المتحدة لموقفها المشار إليه، وتأييدها لتقرير المصير الذي يراهن عليه النظام الجزائري كثيرا، وجعله من المقدسات الوطنية التي لا يمكن التراجع عنها مهما كلفه الأمر… 

 

متى نقرأ كتابكم المثير "طوفان الفساد وزحف بن لادن في الجزائر" بعدما صادرته السلطات المصرية؟

 

بعد العمل الجبان الذي أقدم عليه أمن الدولة في مصر، ومن دون سابق إنذار أو حتى كلمة توضيح، والغريب أن الإجراء تم بعيدا عن القضاء ووفق إجراءات لا تتقنها إلا النظم القمعية البوليسية، حيث هدد الناشر ومنع من إثارة القضية لدى المنظمات المعنية في الداخل والخارج، بل صار يجبر على ما إعتذر لي عنه في الخفاء، وهذا كله من أجل الإبتعاد عن الشوشرة والضغط الإعلامي والحقوقي، والغريب ما نشرته بعض الصحف أن الكتاب لم يصادر بل بسبب خلاف بيني والناشر حول توقيت التوزيع أدى إلى فسخ العقد، فترى كيف يكون ذلك وأنا نشرت على موقعي في 14/04/2009 أن الكتاب وزع وبناء على تصريح الناشر؟ !! وهو الذي حدث في كثير من الصحف والمواقع أيضا، ولا يعقل أبدا أن يطبع الكتاب كما قال الناشر في تصريحه ثم أسترجع مستحقاتي وينتهي الأمر، فأتحدى الناشر أن يوزع الكتاب ومستعد أن أنتظر شهرين آخرين وأتنازل عما هو موجود في العقد بيننا، حيث أن الكتاب من المفروض توزيعه بعد شهر من إستلام "البروفة" والتي جرت في 02/03/2009، مما يعني أن الكتاب لن يتجاوز 02/04/2009 ويكون في كل المكتبات، وكل شيء عندي موثق بالصوت والرسائل والإيميلات…

 أعرف أن المستفيد الأول والأخير من هذا الإجراء هو النظام الجزائري، الذي لما أعلن عن الكتاب في فيفري 2009، والصحف الجزائرية الواسعة الإنتشار إعتبرته يفضح الطابوهات الكثيرة، عمل النظام كل ما في وسعه من أجل أن لا يصدر قبل الإنتخابات الرئاسية، لأن فيه مرافعة ومحاكمة لعهدتين من حكم بوتفليقة، وبعدما تحقق لهم ما أرادوا وخضع الناشر لضغوطات كبيرة تمت مصادرته، لما سرب أيضا البعض من محتواه حول فضائح منظمة البوليساريو في الجزائر، على كل حال الكتاب سيصدر وسيترجم إلى اللغة الإنجليزية وسنسوقه إلى كل المكتبات ويوزع عبر الأنترنيت حتى يصل للقارئ العربي، ويعرف حقيقة ما يجري في دهاليز الجزائر من فساد وإرهاب.

وفي الأخير أتقدم بخالص التحية لكل من ساندني ولو بإيميل أو بدعاء في ظهر الغيب، كما أرفع كل محبتي عبر منبركم هذا إلى كل الشرفاء وما أكثرهم، في الجزائر والمغرب وكل البلاد العربية، ولكم كل التقدير على إتاحة هذه الفرصة.

 

 

نسخة من الحوار الصادر بالصحيفة

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات ومحاضرات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الجزء الثاني من حوار أنور مالك مع جريدة “الصحراء الأسبوعية””

  1. المطلوب ليس مساندة البوليساريو أو النظام الجزائري أو نظام المخزن بل شعب صحراوي مشتت في أصقاع الأرض و مطرود من أرضه



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر