الإتجاه المعاكس بين التشاؤم والتفاؤل

كتبهاAnouar Malek ، في 7 مارس 2009 الساعة: 09:52 ص

 

الاتجاه المعاكس بين التشاؤم والتفاؤلبقلم الدكتور اسامة عثمان

في حلقة الاتجاه المعاكس التي خصصت للبحث في موقع العرب ومدى تأثيرهم عالميا, وقف الطرفان كالعادة على طرفي نقيض؛ فالصحفي أنور مالك لخص توصيفه للعرب بالقيمة الصفرية, وأما الأستاذ الجامعي الموريتاني حماه الله, فقد اجتهد في نصب الأدلة, وإبراز الشواهد على عافية تدب في الوضع العربي الراهن, على المستوى العلمي, وعلى صعد أخرى كالسياسي, والعسكري.

وربما لحظ المشاهد انحياز الدكتور فيصل القاسم إلى الرأي الأول, والسؤال, هو ما الهدف من الحلقة؟ وما الهدف من الاستقرار على التوصيف السلبي؟ هل ينقص العربي مزيدا من جرعات الإحباط؟! ولو سلمنا برداءة الوضع العربي, وهو كذلك, في جوانب, ويشهد تماثلا للشفاء في جوانب أخرى؛ فما المطلوب إزاءه؟ أليست من مهمات المثقف أن يعمل على توجيه الرأي العام؟! وأن يحاول ابتعاث مقومات العافية, واحتضان تلك النماذج المشرقة, أو توجيهها, بدلا من تكريس النظرة السوداوية, وتعميمها, وتأبيدها!

لقد مرت الأمة الإسلامية والعرب بحالة مماثلة لحالتنا هذه إبان الحروب الصليبية, وقبلها, بقليل؛ ما شجع تلك القوى الغربية (الفرنجة) الذين رفعوا شعار الصليب, على غزو المشرق العربي من الغرب, كما غزاه التتر من الشرق, لقد تردَّت أنذاك الحالة الفكرية, والمستوى الفقهي, وقل الاجتهاد, وضعفت سلطة الدولة المركزية, وتفسخت الدولة, ودب الوهن في النفوس؛ فماذا فعل العلماء؟ لقد انتبهوا إلى مكامن الضعف, وأسبابه. وقد ذكر ابن الأثير رحمه الله وصفاً دقيقاً لذلك العصر، وهو من أهله, فقال: ” لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم: منها هؤلاء التتر: فمنهم من أقبلوا من الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها.
ومنها: خروج الفرنج - لعنهم الله - من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وامتلاكهم ثغرها”

وفي هذه الأثناء نهض علماء ودعاة أجلاء لإسعاف الأمة, وتطبيبها, من أدواء عارضة, وكان منهم القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني العسقلاني ، الرجل الثاني في دولة صلاح الدين ومخطط سياسته ومدبر شؤونه الداخلية وعلاقاته الدولية, وقد عرف له صلاح الدين قدره, ودوره, حتى قال فيه:” لا تظنوا أني ملكتًُ البلادَ بسيوفكم, بل بقلم الفاضل”.  كما أسهم في إحياء الأمة علماء آخرون منهم الإمام أبو حامد الغزالي صحاب كتاب الإحياء, وشيخ الإسلام ابن تيمية, والعز بن عبد السلام, والإمام الطرطوشي, والقاضي أبو سعد الهروي, وغيرهم من الدعاة الأفذاذ الذين عملوا على صعيد الإصلاح العميق باجتثاث أسباب الوهن الكامنة في ضعف الإيمان, والانشغال بالدنيا, والجهل, والتعصب, وغيرها, كما عملوا على المستوى السطحي, السياسي, بنصح الحكام, بصادق الكلام, دون مواربة, أو مجاملة, أو انتقاء؛ فكان حصيلة ذلك حيوية بدأت تدب في أوصال الأمة, تُوِّجت بانتصارات فاصلة, كمثل حطين, وعين جالوت.

ومع أن واقعنا العربي أكثر تعقيدا, وهو الذي يعاني تشظيا فكريا, وانقسامات طائفية يراد لها أن تتجذر, وهو الذي قد أصبح في عين المخططات, والدراسات, والجهود الدولية التي لا تكاد تغفل, عن الإمساك بتلابيب القضايا العربية, واللعب بها, على نحو متوال, دون السماح لأهل المنطقة العربية باستعادة زمام القرار؛ فإن المنتظر والمؤمل ممن يؤلمه هذا الحال أن يغادر مرحلة التوصيف إلى طور العلاج, وتوجيه الخطاب الثقافي نحو ما يضاد تلك الأعراض المرضية, في الثقافة, وفي الأخلاق؛ تمهيدا, وتوطئة لحالة سياسية أرقى.

ومع أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم, جدلية, لا ينفك أحدهما عن الآخر, فإن النجاح في جانب, من شأنه أن يبعث النجاحات في جوانب أخرى من جسم الأمة المتماثل للشفاء, ولعل الكثير من العرب قد اعترته الدهشة المبهجة, من مستوى ردة الفعل العربية, والإسلامية, إبان العدوان الصهيوني؛ ما يشي بحياتها, وإمكان توقع الخير منها.

وليس صحيحا أن العربي قد خلد إلى التخلف, واستسلم للإحباط, بالرغم من اصطناع أسبابه, على مر الساعة, ومر بلاد العرب من فلسطين إلى السودان, ومن العراق إلى أفغانستان, فما زال أبناء الأمة يبرهنون على حالة المقاومة, وليست مقتصرة على العسكرية منها, بل إنها تبدو ماثلة في هذه الإرادة للحياة, ومزاولة مناشطها, في التعليم, والتنمية الذاتية, والاندماج في هذا العالم المتطور بالرغم من حالات التعويق, وقلة المحفزات, وغياب دور الدول والحكومات.

ولا نبالغ حين نقول إن من مصلحة دول الاستعمار أن تُؤبِّد حالة الضعف, والتخلف, وافتقاد الوزن, وما تكشف من كذب دعاوى أمريكا في العراق يكشف, بلا ريب, عن مخططات مسبقة لضرب تلك القوة؛ بما تعنيه من رمزية معنوية, وما تهدد به من قوة واقعية واعدة.

وأبلغ مثال على تلك النوايا المبيتة, ما تشهده فلسطين على أيدي “إسرائيل” الابن (الشرعي) لتلك الدول. حيث تُخلِّي أمريكا, والدول الغربية المشاركة لها, بين الصهيونية, وأطماعها التي تستهدف قتل الروح والحلم, مع سعيها لإزهاق الأرواح, وقضم الأرض.

وبعد؛ فإن المثقف المسؤول, يحتاج إلى التقاط تلك النقاط المضيئة, وهي كثيرة, للبناء عليها, وتعميمها, كما هو محتاج إلى مغادرة الحالة التوصيفة المحضة إلى الحالة العلاجية المثابرة.

عن عرب تايمز

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الإتجاه المعاكس بين التشاؤم والتفاؤل”

  1. كنت قد قرأت المقال على موقع عرب تايمز
    لكنني لا أفهم سبب رفضه و عدم تقبله فكرة أن العرب لا يؤثرون في أي شيء
    حتى أموالهم لم تساهم في تخفيف حدة الأزمة المالية العالمية
    هذا ان وجدت طبعا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر